يعتبر التحول الرقمي في المؤسسات الحكومية هو الطريق للمستقبل و التي تسعي لتحقيقه كل دول العالم للإستفادة من التقدم التكنولوجي و ثورة الإتصالات الحديثة و لكن يظل دائما هناك مشكلة عند التحول التكنولوجي الحكومي تتمثل في غياب الفكر و تحديث الرؤية و المهمة الخاصة بالمؤسسات الحكومية و غياب إعادة تشكيل الوعي لدى موظفي المؤسسات الحكومية مما يجعل الكثير من المؤسسات تتبنى إستخدام أجهزة حديثة بنفس الفكر القديم فما الفائدة من وجود موظف استبدل الألة الكاتبة بجهاز كمبيوتر و طابعة؟.
إن استخدام الأجهزة و التقنيات الحديثة ليست بالضرورة كافية لتحقيق تحول رقمي بل و أيضا استخدام البرمجيات و الشبكات و الربط بين الأقسام و التخزين في قواعد البيانات و القدرة علي توليد التقارير لحظيا و توفير الخدمات الحكومية للمواطنين علي شبكة الإنترنت أيضا ليس كافيا لإعتبار المؤسسات الحكومية قد إجتازت حقبة البيروقراطية و إنعدام الفعالية و الكفاءة التي عانت منها علي مدار ما يقارب القرن من الزمان فحتى الأن هناك فجوة كبيرة بين القطاع الخاص و القطاع الحكومي لا يستطيع القطاع الحكومي عبور تلك الفجوة و أيضا لن يستطيع عبور تلك الفجوة بمجرد التحول الرقمي مالم يصاحبه تحول فكري و قد يعتقد الكثيرون أن ما يميز القطاع الخاص عن القطاع الحكومي هو أن الربحية توجه القطاع الخاص و بذلك نستطيع الحكم على نجاح أو فشل المشروعات بمدى تحقيقها للربحية و لكن حتى ذلك التصور عن القطاع الخاص أصبح من الماضي بالطبع لاتزال الربحية مؤشر هام من مؤشرات النجاح في عالم إدارة الأعمال و الأنشطة التجارية و لكنها ليست المعيار الوحيد لذلك فحتى الكيانات الغير هادفة للربح تقدم أداء إداري و فني أكثر تميزا من الأداء الحكومي و في تصوري الشخصي أن العامل الأهم في نجاح القطاع الخاص هو "التوجه للمستهلك" (customer oriented) و هو ببساطة أن يكون كل تركيز جميع الأنشطة مهما كان اختلافها و تنوعها نحو خدمة المستهلك فالمؤسسة ككل تعمل في تناغم من أجل تقديم تجربة مميزة لعملاءها و ليست إدارة التسويق فقط , المشكلة الكبرى أن المؤسسات الحكومية في أغلبها لا تحتوي علي إدارات تسويقية من الأساس معتقدين أن التسويق هو الموجه لأنشطة القطاع الخاص المتعلقة ببيع المنتجات و الخدمات أو أنهم ليسوا بحاجة لإدارات التسويق طالما لا توجد منافسة و هى فكرة تجاوزها الزمن حيث ترى الإتجاهات التسويقية الحديثة أن التسويق ليس دوره تسويق و بيع المنتجات و الخدمات بل علي العكس التسويق يعد إطارا فكريا يعمل به الجميع سواء كانوا موظفين , مديرين و حتى أفرادا.
أن أسوا معوقات تحديث الحكومات هو الإعتقاد أن إحتكار الحكومات لتقديم خدمات معينة يعفيها من تسويقها لعدم وجود منافسة بينما التسويق في الأساس ليس دوره الوحيد إدارة عمليات التنافس في السوق و لكن وظائفه الأكبر هي ترسيخ فكرة معينة في ذهن المستهلك و دفعه لعمل فعل معين و المحافظة على ولاءه , قد يري البعض أن المؤسسات الحكومية ليست بحاجة لذلك لكون خدماتها محتكرة و هنا المشكلة الكبرى لأن ذلك التوجه ينطلي علي تلك المغالطات:
- تغيير الصورة النمطية و السلبية عن الكثير من القطاعات الحكومية لدي المستهلكين يؤدي لزيادة العائدات الحكومية بشكل كبير فمثلا في حالة الأنشطة الحكومية المتعلقة بتحصيل الضرائب أو المخالفات أو الجمارك ... إلخ يؤدي تغيير الصورة الذهنية للمستهلكين و التي تتمثل في شعورهم بالظلم و إحساسهم بدفع أموال كثيرة دون الحصول علي مقابل أو أن هناك محاولات من الموظفين إلي المبالغة فى تقدير المبالغ المستحقة الدفع يجعل الكثير من المتعاملين مع تلك المؤسسات إلي تجنب الإفصاح عن الدخل الحقيقي أو محاولة التهرب الضريبي أو التهرب من الجمارك أو الغرامات المقررة و علي العكس عندما يقتنع المواطن أن الأموال التي يقوم بدفعها تعود عليه بالنفع في صورة خدمات و بنية تحتية و مشروعات تحسن من وضعه الإقتصادى و أيضا حينما يلمس أن الموظفين الحكوميين يحاولون بذل قصارى جهودهم لإعطاء كل مواطن حقه و الدفاع عن حقوق المواطنين فمن المؤكد أن ذلك سيزيد من العائدات الحكومية بنسب كبيرة جدا و سيقلل من محاولات التهرب من سداد المستحقات الحكومية و سواء كان المستهدف هو تغيير الصورة الذهنية أو تحسين خدمة العملاء فهي مهمتان تسويقيتان بالأساس و كما ذكرت من قبل فإن مهام التسويق مسؤلية جميع العاملين مهما كانت إختصاصتهم أو درجتهم الوظيفية.
- عدم إدراك أن المواطن ليس بالضرورة هو المستهلك الوحيد للخدمات الحكومية , قد يكون المواطن هو من يذهب لشراء الأوراق الحكومية كشهادات الميلاد و البطاقات و جوازات السفر و غيرها الكثير و لكن هناك مستهلك أخر و هي الوزارات و مراكز إتخاذ القرار في الحكومة التي تمدها المؤسسات المختلفة بالمعلومات و التقارير و الخدمات الأخرى و التي تعتبر منتجات و خدمات أيضا و تطوير خدمة المستهلك في تلك المؤسسات يرفع من قدراتها على التعاون بين المؤسسات و الهيئات بعضها البعض و النظرة لكل كيان حكومى كمستهلك من قبل كيانات اخرى يؤدي لرفع كفاءة القطاع الحكومي ككل و يؤدي لجودة مدخلاته و مخرجاته.
- الصرامة و الإلتزام الإداري ليس بالضرورة ما ينقص المؤسسات الحكومية فالكثير من المدراء يديرون مؤسسات يشهد لهم بالإنضباط و لكن في النهاية قد تغييب عنها الجودة و الفعالية قد يلتزم الموظفين بمواعيد الحضور و الإنصراف و قد تدار الدورة المستندية في المؤسسة بمنتهي الحزم و لكن في النهاية بلا إنتاج حقيقي لغياب رؤية و استراتيجية واضحة, إن وضع مؤشرات قياس الأداء (KPIs) هو من أهم الوظائف الإدارية في المؤسسات أي كان نوعها و ملكيتها و لكن ليست بالضرورة أن تكون تلك المؤشرات مؤشرات صحيحة و قادرة علي قياس الأداء بشكل فعال خصوصا عند غياب الرؤية و الإستراتيجية أو عدم وضوحها و في رايي كلما إلتزمت المؤسسات بالتوجه للمستهلك و التحديد الدقيق لعملائها من حيث الخصائص و العمل على توفير تجربة مستهلك متميزة يساعد المؤسسات علي تطوير مؤشرات للأداء قادرة علي الحكم الفعال علي منظومة الإدارة و جودتها و أيضا متابعة أداء و فعالية الموظفين.
- تحتوي الكثير من المؤسسات الحكومية علي إدارة خاصة بالعلاقات العامة و لكن مع مرور الوقت فقدت تلك الإدارة وظيفتها الحقيقية حيث أنفصلت عن الفكر التسويقي مع أن العلاقات العامة بالأساس غالبا ما تكون إدارة تابعة للتسويق حتي و إن كانت بأليات أخرى تعتمتد مثلا علي النشر بدلا عن الإعتماد علي الإعلان و لكنها في كل الحالات ادارة ذات وظيفة تسويقية بالأساس تعني بالتعامل مع الجمهور الخارجي (المستهليكين) و الجمهور الداخلي (الموظفين) و ترسيخ صورة ذهنية للمؤسسة و ابراز انجازتها مما يعني أن التسويق كان موجودا بالمؤسسات الحكومية و لا يعتبر دخيل عليها و إن كانت للأسف مع مرور الزمن فقدت العلاقات العامة دورها التسويقي و تحولت لمجرد إدارة تشريفات.
هذا عن التسويق في المجمل فماذا عن الأدوات التسويقية الرقمية كيف يؤثر علي المؤسسات الحكومية؟
- يمكن المؤسسات الحكومية من سرعة قياس تأثير أداءها علي المستهلك النهائي (المواطن)
- أيضا سهولة قياس التغيرات التي تطرأ علي الصورة الذهنية للمؤسسة و تجربة المستهلك بها سواء كانت بالإيجاب أو السلب.
- الوسائل التكنولوجية هي حل مثالي لخدمة العملاء و متابعة الشكاوي و الإقتراحات خصوصا عندما يكون لتلك المؤسسات جمهور بأعداد ضخمة جدا.
- سهولة التواصل في كلا الإتجاهين بين المؤسسات و جمهورها حيث توفر وسائل التواصل الحديثة تغذية عكسية (feedback) بشكل أسرع كثيرا مما يمكن المؤسسات من تعديل و تطوير حملتها التعريفية أو الإعلانية بشكل سريع و أيضا إحتواء الأزمات التي تؤثر بشكل سلبي في الصورة الذهنية للمؤسسة عند جمهورها.
- في البلاد التى يقل فيها متوسط أعمار الشعب أصبح التوجه التكنولوجي في التسويق أمر حتمي و أيضا يلزمه تغير في طبيعة و أهداف و رسالة الإعلان و التسويق.
- https://adrants.com/images/meeting_toon.jpg
- https://storage.needpix.com/rsynced_images/marketing-strategies-426545_1280.jpg


